الرئيسية » الصيرفة الإسلامية »
 

التنمية والإعمار الاقتصادي من منظور شرعي

 

  

د. سهيل الأحمد*

     فإن الأحكام الشرعية قد اهتمت بالإنسان وبمتعلقاته التنموية وعملت على تحقيق رسالة ذلك وإبراز الدور الإيجابي لها في خدمة الإنسانية والمجتمعات بشتى فئاتها، وذلك بهدف بناء المصالح وتثبيتها ومنع المفاسد والحد من وجودها، ولذلك فهي بما لديها من إمكانيات ومجالات وبرامج تنموية وأحكام شرعية جاءت للعمل على هذه الرسالة وتأدية واجبها من جميع النواحي الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، كل ذلك بهدف رعاية مصالح الناس والتيسير عليهم وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة، بما يحقق هدف التنمية ويعمل على دعمها وإرساء قواعدها الدائمة المستقرة. والتنمية مصدر من الفعل نمّى، حيث يقال: أنميت الشيء ونمّيته: جعلته ناميًا.

 وتعد التنمية من أهم المجالات التي تعمل على المساهمة في مكافحة الفقر وتوزيع الثروة، وذلك لأنها من مقاصد الاستثمار في المفهوم الإسلامي.

 وتعني التنمية: الالتزام المستمر من قبل شركات الأعمال بالتصرف والمساهمة في تحقيق التنمية والعمل على تحسين نوعية الظروف المعيشية للمجتمع الإسلامي.

ولم يرد لفظ التنمية وفق هذا المفهوم في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية المطهرة، إلا أنه قد ورد عدد من المصطلحات لتدل على النمو أو التنمية منها:  الإعمار، والابتغاء من فضل الله، والسعي في الأرض، وإصلاح الأرض وإحياؤها وعدم فسادها، والحياة الطيبة، والتمكين.

ويعد لفظ العمارة والتعمير من المصطلحات الأقرب تعبيراً عن التنمية في المفهوم الإسلامي. كما في قوله تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها". وقوله "واستعمركم فيها" أي: جعلكم عمارها وسكانها".

       وتقوم التنمية على تنمية طاقات الفرد إلى أقصى حد مستطاع بهدف الوصول به لمستوى معين من المعيشة، يكون عمادها عملية تغيير منظمة تلتزم بتشريعات الإسلام وقواعده وضوابطه، وذلك بتوفير ما يناسب الإنسان من المال والتعليم والصحة والمسكن والعمل وسائر المجالات، وكذلك القضاء على الاستغلال وعدم تكافؤ الفرص.

كل ذلك من أجل الحفاظ على كرامة الإنسان باعتباره خليفة الله في أرضه، وبقصد تحقيق العدالة.

ولقد حث الإسلام على تشغيل الأموال واستثمارها، والعمل على عدم تجميدها باكتنازها، وذلك بنصوص واضحة جلية تبين ذلك وتؤثر في إظهار البعد التنموي ومن ذلك ما يأتي:

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ مُسلمٍ يَغرِسُ غَرْساً، أو يَزْرَعُ زَرْعاً فيأكُلُ منه طَيْرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ، إلاَّ كان لهُ بهِ صَدَقة".

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق".

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه".

وعَن أبِي هُرَيْرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُول اللّه صَلى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: "أَن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بَعْد موته: علما علمه ونشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله فِي صحته وحياته، تلحقه من بَعْد موته".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده".

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من زرع زرعاً فأكل منه الطير أو العافية كان له به صدقة".

وعنه صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحدا، فيعطيه أو يمنعه".

وقال صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم أحبله خير له من أن يسأل الناس" ،

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيتصدق به، ويستغني به من الناس، خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه ذلك، فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول".

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة".

فهذه نصوص واضحة تضع قواعد ومبادئ لتحقيق فلسفة العمل والتغيير والتنمية، حيث حثت على العمل والقيام بالأمور المطلوبة في تحقيق المصالح الشخصية والعامة دون انتظار من غيره ليقوم بها، وهي كذلك لم تغفل فضل المبادر في القيام بمهمة الاستخلاف وعمارة الأرض على من لم يجعل معيار التنمية والقيام بمهامها وفق مسؤولياته وبرامجه الحياتية.

*عميد كلية الحقوق- جامعة فلسطين الأهلية- عضو الهيئة العليا للرقابة الشرعية- سلطة النقد