
د. سهيل الأحمد*
اختلف الفقهاء في حكم وجوب المكافأة حال السداد المبكر أو تخفيض فترة السداد، أو إعادة الأرباح عن كامل فترة السداد إلى رأيين: أولهما؛ لجمهور الفقهاء القائلين بمنعها، وذلك فيما يأتي من مقولات:
جاء في "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق/ الزيلعي، 14/4": "لو صالحه عن ألف درهم على دنانير مؤجلة أو عن ألف مؤجل على خمسمائة حالة أو عن ألف سود على خمسمائة بيض لا يجوز؛ لأن من له الدراهم لا يستحق الدنانير فكان معاوضة وهو صرف فلا يجوز تأجيله ومن له دين مؤجل لا يستحق الحال".
وقال الإمام مالك (المدونة/ 9/171): "لو أخذ -أي المدين- بعض حقه منه على أن ترك له ما بقي قبل الأجل لم يجز هذا؛ لأنه وضع وتعجل، فإذا حل الأجل فلا بأس به".
وجاء في "روضة الطالبين /النووي، 3/431": "ولو صالح من ألف مؤجل على خمسمائة حالة فباطل. ولو صالح من ألف حال على خمسمائة مؤجلة، فهذا ليس من المعاوضة في شيء، بل هو مسامحة من وجهين: أحدهما: حط خمسمائة. والثاني: إلحاق أجل بالباقي. والأول شائع، فيبرأ عن خمسمائة. والثاني: وعد لا يلزم، فله المطالبة بالباقي في الحال"
وفي كتاب "الفروع/ ابن مفلح، 4/264": "ولو صالح عن المؤجل ببعضه حالاً لم يصح".
واستدلوا بما يأتي:
1.حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: أَسْلَفْتُ رَجُلًا مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ خَرَجَ سَهْمِي فِي بَعَثٍ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ لَهُ: عَجِّلْ لِي تِسْعِينَ دِينَارًا وَأَحُطُّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (أَكَلْتَ رِبًا يَا مِقْدَادُ، وَأَطْعَمْتَهُ) "رواه البيهقي".
2.إن الخصم مقابل الزمن يشبه الزيادة مقابل الزمن بجامع أن كلا منهما جعل للزمن وحده قيمة مالية؛ جاء في (أحكام القرآن/ الجصاص، 2/187): "إن ربا الجاهلية إنما كان قرضاً مؤجلاً بزيادة مشروطة فكانت الزيادة بدلاً من الأجل فأبطله الله تعالى وحرمه، وقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ } [البقرة: 279] وقال تعالى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } [البقرة: 278] حظر أن يؤخذ للأجل عوض فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجلة فوضع عنه على أن يعجله فإنما جعل الحط بحذاء الأجل فكان هذا هو معنى الربا الذي نص الله تعالى على تحريمه".
وأما الرأي الثاني: فهو رأي من يجيزها منهم، وهو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما وإبراهيم النخعي وابن سيرين وأبو ثور، وزفر، ومنقول عن الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، واختيار ابن تيمية وابن القيم وقال به ابن عابدين (حاشية ابن عابدين، 5/160، المبدع، 4/280، الاختيارات الفقهية/ ابن تيمية، ص134، إعلام الموقعين، 3/359).
جاء في: (المغني/ ابن قدامة: 4/39): "إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عني بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز، كرهه زيد بن ثابت وابن عمر والمقداد وسعيد بن المسيب وسالم والحسن وحماد والحكم والشافعي ومالك والثوري وهشيم وابن علية وإسحاق وأبو حنيفة، وقال المقداد لرجلين فعلا ذلك كلاكما قد آذن بحرب من الله ورسوله، وروي عن ابن عباس: أنه لم يرَ به بأساً، وروي ذلك عن النخعي وأبي ثور، لأنه آخذٌ لبعض حقه تاركٌ لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالّاً".
جاء في (إغاثة اللهفان/ابن القيم، 2/13): "وهذا ضد الربا فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لاحق بالمدين ونفعه مختص برب الدين، فهذا ليس من الربا صورة ومعنى".
وفي (إعلام الموقعين/ابن القيم، 3/359(: "لأن هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحدٌ منهما، ولم يكن هنا رباً، لا حقيقةً ولا لغةً ولا عرفاً، فإن الربا الزيادة وهي منتفيةٌ ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: إما أن تربي وإما أن تقضي، وبين قوله: عجل لي وأهب لك مائة. فأين أحدهما من الآخر؟ فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح".
وجاء في (مغني المحتاج، 2/233): "ولو صالح من عشرة حالة على خمسة مؤجلة برئ من خمسة وبقيت خمسة حالة"
ذكر (الماوردي في الحاوي الكبير، 18/234): "ولو ابتدأ المكاتب فعجل من الألف خمسمائة، وأبرأه السيد من غير شرط من باقيها، وهو خمسمائة كان هذا جائزاً كما لو أقرضه خمسمائة فرد عليه ألفاً من غير شرط جاز، بخلاف ما لو كان عن شرط"
وقد "أجاز مالك وجمهور من ينكر: ضع وتعجل، أن يتعجل الرجل في دينه المؤجل عرضاً يأخذه، وإن كانت قيمته أقل من دينه"، (بداية المجتهد/ ابن رشد، 4/525).
واستدل المجيزون لمسألة "ضع وتعجل" بما يأتي:
1.أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لمَّا أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج بني النضير قالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال صلى الله عليه وسلم:" ضعوا وتعجلوا) "رواه الحاكم، وقال هذا حديث صحيح الإسناد. المستدرك 2/362).
2.ما جاء في: (سنن البيهقي، 6/28) "أن ابن عباس كان لا يرى بأساً أن يقول أعجل لك وتضع عني".
3.وقالوا كذلك: إن مسألة ضع وتعجل تعد من قبيل الصلح وهذا لا يخالف قواعد الشرع وأصوله بل إن حكمة الشرع ومصالح المكلفين تقتضي قبول التراضي والاتفاق بين المدين والدائن على أن يتنازل الأول عن الأجل والدائن عن بعض حقه، وهذا من قبيل الصلح الجائزٌ بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً وحرم حلالاً، فقد ثبت في (صحيح البخاري) عن كعب بن مالك رضي الله عنه، أنه كان له على عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي مالٌ، فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما، فمرَّ بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا كعب، فأشار بيده كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفاً". وفي رواية (صحيح البخاري، 1/657) فنادى أي: " رسول الله صلى الله عليه وسلم": يا كعب قال: لبيك يا رسول الله، فقال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت، قال: قم فاقضه".
وفي رأيي أن ما ذهب إليه المجيزون يراعي واقع المعاملات المالية المعاصرة وما يعتريها من ظروف طارئة وجوائح تقتضي الوقوف على حاجات الناس وظروفهم وهو ما تبناه مجمع الفقه الإسلامي (المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة، في السعودية، من 7- 12 ذي القعدة 1412ه الموافق 9-14 مايو، 1992م) حيث جاء في القرار رقم (66/2/7 بشأن البيع بالتقسيط): "الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين، (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق"،(مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 7/2/218(.
وهو رأي لجنة الفتوى، دار الإفتاء الأردنية، برقم: 3331، بتاريخ: (2/11/2017) ، تحت عنوان: حكم خصم جزء من الدين مقابل السداد المبكر "ضع وتعجل"، حيث جاء في الفتوى: " إن إسقاط جزء من الدين المؤجل مقابل تعجيل الباقي جائز شرعاً سواء أكان بطلب من الدائن أو المدين ولا يدخل هذا في الربا المحرم شرعاً على أن لا يكون ذلك مشروطاً في العقد".
وقالت: اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية: "هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح من قولهم جواز الوضع والتعجيل وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخين ابن تيمية وابن القيم ومنسوب إلى ابن عباس رضي الله عنهما ..." (فتاوى اللجنة 13/168).
*عميد كلية الحقوق- جامعة فلسطين الأهلية- عضو الهيئة العليا للرقابة الشرعية – سلطة النقد