*د. سهيل الأحمد
إن المصالح التي يحرص الوقف على تحقيقها من خلال برامجه المتعددة هي وسائل تستهدف فلسفة إعمار الدنيا وتسخير طاقاتها لخدمة الإنسان، فلا يمكن للنشاط الناتج عن الأعمال الوقفية أن يؤتي ثماره إن لم يكن احترام الإنسان ومراعاة مصالحه على سلم أولوياته، وهذا لاعتبار أن الإنسان أساس التنمية، وهو المستهدف بها، والذي يتحقق بتسخير الموارد من خلال الوقف له ليعمل على الإنتاج وتحصيل الموارد لخدمة المستخلفين من النواحي المتعددة، مع ضرورة الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية قولاً وعملاً، شكلاً ومضموناً، وفي طريقة وأساليب توظيف أصوله ومتعلقاتها.
ويعد إنشاء المظاهر الوقفية وصرف ريعها في المصارف المخصصة لذلك حسب شروط الواقفين من الأمور المهمة إذا تم استغلالها بكفاءة وفاعلية موضوعية مؤثرة، وذلك لتعدد صور الوقف وطبيعة المظاهر التي يقع فيها، ولأن الناس تحرص على إنشاء ذلك لاستمرار الأثر إلى ما بعد الموت، ثم إن هذا الأمر يساعد في تحقيق التنمية ويساعد الدولة على تلبية مصالح الناس ومنع الإضرار بهم والتضييق عليهم، وعليه فإن الطبيعة التنموية للوقف تتجلى من خلال أمور هي([1]):
أولًها: الديمومة والثبات: وهذا لاعتبار أن الوقف يحقق هدفه التنموي من خلال الاستمرارية في الريع والعطاء والتمويل الوقفي، وهو يظهر كذلك أهمية تحقق استقرار حالة الإشباع التي يؤدها تجاه الجهات المستحقة له، فإذا تم إنشاء مساكن ملائمة([2]) لمحدودي الدخل مثلًا من خلال الوقف، أو أنه قد حصل إصلاح لمنازل المحتاجين والمعاقين، بالتعاون مع الدولة ومؤسسات المجتمع المهتمة بذلك، فإن مثل هذه المظاهر تعمل على تحقيق هدف التنمية وتساعد في إرساء قواعدها في المجتمعات وهذا يظهر كيفية حصول الديمومة والاستمرارية وفق تحقيق مقاصد الوقف الشرعية. وهو ما بينته المادة (6) من قانون العدل والإنصاف حيث جاء فيها: "يشترط لصحة الوقف ...أن يجعل آخره لجهة بر لا تنقطع لفظًا كما إذا صرح بالتأبيد، أو ما يقوم مقامه كالفقراء أو المساجد أو معنى، كقوله: أرضي موقوفة فإنها تصرف للفقراء عرفًا.." وهذا يعني أنه لا بد وأن تفيد الصيغة تأبيد الوقف وعدم تأقيته بمدة معينة، لأنه إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى مدة، وإنما لابد من اشتماله على معنى التأبيد، ولا يشترط التلفظ به، مثل الوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة كالفقراء([3]). وهذا الأمر من مقتضيات الديمومة التي تؤثر في تحقيق التنمية وتثبيت أركانها.
وأما الأمر الثاني فهو المرونة: ويتلخص ذلك بإعطاء الواقف مساحة واسعة ليحدد اختياراته الوقفية من حيث: طبيعة الوعاء الوقفي، والمدى الزمني لوقفيته، ومظلة العطاء المرادة له من ذلك، وفق ما يراه مناسباً وحسب مرجعية تستند على مساحات واسعة من الاجتهادات الفقهية والشرعية([4]). ولذلك جعل للواقف ما يسمى في الكتب المتعلقة بالأوقاف الشروط العشرة للواقف، حيث تحقق له المرونة المطلوبة في تحقيق هدف التنمية وإظهار مميزاتها. جاء في القانون المدني الأردني في المادة (1237) ما نصه: "إذا أعطى الواقف حين إنشاء الوقف لنفسه أو لغيره حق: التغيير والتبديل، والإعطاء والحرمان، والزيادة والنقصان، والبدل والاستبدال، جاز له أو لذلك الغير استعمال هذا الحق على الوجه المبين في إشهاد الوقف". وفي المادة نفسها: "يتم الوقف أو التغيير في مصارفه وشروطه بإشهاد رسمي لدى المحكمة المختصة وفقا للأحكام الشرعية".
وهذا الأمر المتعلق بتنظيم الشروط العشرة في الوقف ينعكس بشكل إيجابي على المرونة والبعد التنموي في التمويل من خلال التحديد الزمني للوقفيات المختلفة، وفي المصارف والحاجات التي يستهدف الوقف إشباعها، فضلاً عن الأوعية المختلفة من الأموال التي يمكن أن تكون محلاً صالحاً للوقف وفقاً لقدرات الواقفين، والتنوع الحاصل في اهتماماتهم الوظيفية.
وثالثها: الدافعية الذاتية: وهذه السمة التمويلية انعكاس لمعنى القربى الذي تنطوي عليه حقيقة الوقف وطبيعته، وذلك بأن تكون الجهة الموقوف عليها قربة من القربات في نظر الشريعة، وفي اعتقاد الواقف([5]). وهذا ما نصت عليه المادة (5) من قانون العدل والإنصاف بقولها: "يشترط لجواز الوقف أن يكون التصرف قربة في ذاته عند المتصرف..". ولتحقيق هدف التنمية للوقف اشترط في هذه الجهة الموقوف عليها أن تكون دائمة الوجود بما يدل على تأبيد الوقف وعدم تأقيته بمدة معينة([6]): لأنه إخراج مال على وجه القربة، فلم يجز إلى مدة، مثل الوقف على من لم ينقرض قبل قيام الساعة كالفقراء([7]). وهو ما نصت عليه المادة (6) من قانون العدل والإنصاف وفيها: "يشترط لصحة الوقف ...أن يجعل آخره لجهة بر لا تنقطع لفظًا كما إذا صرح بالتأبيد، أو ما يقوم مقامه كالفقراء أو المساجد ..".
وتكمن أهمية هذه الخاصية التمويلية من حيث أنها تجعل من الوقف مصدراً تمويلياً لا ينتهي إذ هو متوقف على المبادرات التلقائية النابعة من داخل الأفراد استجابة للوازع الديني لديهم، ولا يتوقف على قرار خارجي قادم من الدولة أو من غيرها. وهذا بدوره يمنح الوقف سمة الاستقلالية في التمويل والإدارة من جهة، ويحول دون عمليات التسريب والتهرب من جهة أخرى ويؤكد على معيار الأمان النسبي في عمليات التمويل الوقفي([8]).
وأما رابعها فهو يرتبط بمراعاة ازدياد الأصول المادية للوعاء الوقفي يوماً بعد يوم، ويظهر ذلك في الأوقاف المؤبدة أكثر من غيرها، حيث تتراكم الجهود الوقفية التي أنشأتها الأجيال السابقة لتنضم إليها الأوقاف التي قامت بإنشائها الأجيال الجديدة، مما يكسب التمويل الوقفي ثباتًا تراكميًا وحصانة نسبية ضد الأخطار التضخمية الواقعة والمتوقعة التي يمكنها أن تتسبب في تآكل غلات الجهات المستحقة([9]). ولهذا المقصد التنموي جعل من شروط وظيفة متولي الوقف (الناظر) عند التفويض العام له ما يأتي([10]):
"إن فقه الوقف ينطوي على تنوع فقهي يمكن للإدارات الوقفية أن تستفيد منه في ضوء اختيارات الواقفين وشروطهم"([11]) وذلك لما يتميز به فقه الوقف من اجتهادات فقهية واسعة حيال الممارسات الوقفية، الأمر الذي جعل التعامل مع المال الوقفي يأخذ طابعاً خاصاً؛ فهو من جانب يريد المحافظة على المبادرة الوقفية من حيث مضامينها ومقاصدها، ومن جانب آخر يعنى بالإفادة من الكتب الفقهية الكثيرة التي تجيز بعض أقوالها للقائمين على الوقف التصرف على ما يقع تحت أيديهم من وقفيات بشرط تحقق مصالح الوقف ومقاصده([12])،
ولإبراز الخاصية التمويلية للوقف يمكن أن يتم تنظيم ذلك بمراجعة ما توصلت إليه الاجتهادات المعاصرة من أجل تطويع المال الوقفي بصرف النظر عن بنيته المادية وتكييفه ودمجه في عجلة الاقتصاد المحلي والعالمي في إطار من التنافسية والأمان([13])، والحفاظ على أصله، وحقوق المستحقين، وكذلك تطوير صوره ومجالاته المتعددة، وبالتالي دعم المؤسسات الوقفية وصرف الريع الناتج عنها في المصارف المخصصة حسب نوع الصندوق وشروط الواقفين، وهذه مسألة مهمة إذا تم استغلالها بالطريق الأمثل، وذلك لطبيعة الأمور التي يقع عليها الوقف، وحرص الناس على إنشائه لاستمرار أثره بعد الموت.
ومن المهم في هذا المقام إعلاء قيمة النشاط الاقتصادي المرتبط بالوقف والمشاريع الوقفية: وذلك بزيادة صوره المعاصرة وتحقيق رفعته المادية والمعنوية وذلك باعتباره ينفذ مهمة الاستخلاف في الأرض التي يقوم بها الإنسان بهدف الإعمار والتنمية([14])، وهذا يعني أن من ينظم البرامج التنموية ويقوم بتطبيقها في الواقع المعاصر يعلم أنه يتعامل مع الله تعالى ويبتغي مرضاته وليس مرضاة الناس فقط([15])، وبالتالي فإن أهدافه في تحقيق التنمية ستجعل التزام تعاليم الإسلام أساس عملها وتقدمها وتبني البرامج الاستثمارية المعاصرة والمؤثرة في تحقيق هدف التنمية المرتبط بالوقف.
[1] - انظر: الدغمي، محمد راكان، العمري، محمد علي، الوقف ودوره في تمويل عمل الإغاثة الإنسانية، ورقة بحثية مقدمة إلى أعمال المؤتمر الثالث لكليتي الشريعة والقانون في جامعة آل البيت، بعنوان: "الإغاثة الإنسانية بين الإسلام والقانون الدولي واقع وتطلعات"، 17-18\6\2014م
[2] - دوابة، الاستثمار في الإسلام، ص 47.
[3] - ابن عابدين، الحاشية، 4/535 – 537.
[4] - انظر: الدغمي، محمد راكان، العمري، محمد علي، الوقف ودوره في تمويل عمل الإغاثة الإنسانية، ورقة بحثية مقدمة إلى أعمال المؤتمر الثالث لكليتي الشريعة والقانون في جامعة آل البيت، بعنوان: "الإغاثة الإنسانية بين الإسلام والقانون الدولي واقع وتطلعات"، 17-18\6\2014م
[5] - ابن نجيم، البحر الرائق، 5/204.
[6] - الكاساني، البدائع، 6/220.
[7] - ابن عابدين، الحاشية، 4/535 – 537.
[8] - انظر: الدغمي، محمد راكان، العمري، محمد علي، الوقف ودوره في تمويل عمل الإغاثة الإنسانية، ورقة بحثية مقدمة إلى أعمال المؤتمر الثالث لكليتي الشريعة والقانون في جامعة آل البيت، بعنوان: "الإغاثة الإنسانية بين الإسلام والقانون الدولي واقع وتطلعات"، 17-18\6\2014م
[9] - انظر: الدغمي، محمد راكان، العمري، محمد علي، الوقف ودوره في تمويل عمل الإغاثة الإنسانية، ورقة بحثية مقدمة إلى أعمال المؤتمر الثالث لكليتي الشريعة والقانون في جامعة آل البيت، بعنوان: "الإغاثة الإنسانية بين الإسلام والقانون الدولي واقع وتطلعات"، 17-18\6\2014م
[10] - الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 10/7688.
[11] - السبهاني، الوجيز في اقتصاديات الزكاة والوقف، ص217.
[12] - أبو زهرة، محمد، محاضرات في الوقف، دار الفكر العربي، ص13 وما بعدها، ص30.
[13] - الدغمي، العمري، الوقف ودوره في تمويل عمل الإغاثة الإنسانية، ورقة بحثية مقدمة إلى أعمال المؤتمر الثالث لكليتي الشريعة والقانون في جامعة آل البيت، بعنوان: "الإغاثة الإنسانية بين الإسلام والقانون الدولي واقع وتطلعات"، 17-18\6\2014م
[14] - الهيتي، أساليب الاستثمار الإسلامي وأثرها على الأسواق المالية (البورصات)، ص 28.
[15] - دوابة، الاستثمار في الإسلام، ص 49.
عميد كلية الحقوق- جامعة فلسطين الأهلية- عضو الهيئة العليا للرقابة الشرعية- سلطة النقد