
د. سهيل الأحمد*
تظهر صورة هذه المسألة بأن يكون للبنك الإسلامي على عميل دين إلى أجل، فيبادر العميل المدين حال قد توفرت لديه السيولة المالية قبل حلول أجل السداد، وأراد العميل أن يستفيد من هذه السيولة المتوفرة معه، فيعرض على البنك (الدائن) بأن يدفع له الدين معجلًا على أن يحط عنه جزءًا من هذا الدَين.
حيث تأتي هذه الصورة في حال رغبة العميل (المدين) بسداد دينه الذي عليه للبنك الدائن قبل حلول الأجل، فيطلب من البنك الدائن بالتعجل بقضاء الدين، وقد يأبى عليه البنك ذلك فيتمسك بالأجل المضروب لقضاء الدين، ولرغبة المدين بهذا السداد المبكر يقبل الدائن من المدين أن يحط جزءًا من الدَين مقابل تعجيل قضاء الدين([1]).
ومن الصور التي يمكن أن يتم فيها إعادة الأرباح حال السداد المبكر في المنتجات التي تطرحها البنوك الإسلامية؛ منتج المرابحة للآمر بالشراء، ويتجلى ذلك بقيام البنك الإسلامي بشراء السلع والخدمات من مالكيها بثمن معلوم حالاً ومن ثم يقوم البنك الإسلامي بإعادة بيع هذه السلع للعملاء بثمن مؤجل مع نسبة مرابحة معلومة محددة. وفق بيعين أولهما: البيع الذي يتم بين مالك السلعة، وبين البنك الإسلامي، وفي هذه الحالة يقبض البائع المالك الثمن المتفق عليه بشكل كامل وفي الحال من البنك الإسلامي، وبناء على ذلك تدخل هذه السلع في ملك البنك وفي ضمانه، ثم يأتي البيع الثاني: الذي يتم بين البنك الإسلامي وبين العميل، بناء على صورة بيع بالتقسيط مع زيادة نسبة مرابحة سنوية معلومة ومحددة. والفقهاء على جواز هذا النوع من البيوع ([2]) لاعتباره من بيوع الأمانات([3]).
ومسألة إعادة الأرباح حال السداد المبكر قد تحجُم البنوك الإسلامية عن تطبيقها لتبني بعضها للراي الفقهي القائل بمنع الحط[4])ـ كما أنه يرتب مخاسر مالية لا ترغب البنوك الإسلامية بحصولها ووقوعها.
فلو فرضنا أن قيمة التمويل تساوي عشرة آلاف دينار مقسطة على خمس سنوات، بنسبة مرابحة مقدارها (5%)، فإن الدين الذي للبنك على العميل، هو رأس المال (عشرة آلاف دينار) مضافاً اليه المرابحة عن خمس سنوات (25%) أي (2500) ألفان وخمسمائة دينار، فيصبح مجموع الدين اثنا عشر ألفاً وخمسمائة دينار، فإذا قام المدين بتسديد أقساط السنتين الأخيرتين خلال السنوات الثلاث الأولى، فإن الدين سيصبح أحد عشر ألف وخمسمائة دينار، أي بنقص مقداره ألف دينار، وضعت عن المدين لقاء تعجيله هذه الأقساط. ونلاحظ من ذلك أن المقدار الذي حط من الدين يشكل نسبة المرابحة عن السنتين الأخيرتين (10%)([5]).
ويعد هذا بالنسبة للبنوك الإسلامية من مظاهر الخسارة التي لا ترغب بها أو بحصولها.
[1] - انظر: البريشي، إسماعيل محمد، مسألة "ضَعْ وَتعَجل" وتطبيقاتها المصرفية، موقع دائرة الإفتاء الأردنية، دراسات وبحوث، بتاريخ: 28/10، 2020، برابط: https://aliftaa.jo/Research.aspx?ResearchId
[2] - انظر: كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، السكندري المعروف بابن الهمام ، شرح فتح القدير، دار الفكر، ط2، ج6، ص494. أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي الحطاب، مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، دار الفكر، بيروت، ط2، 1398ه، ج4، ص489. أبو القاسم، عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي، فتح العزيز شرح الوجيز، تحقيق وتعليق: علي محمد عوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1997، ج4، ص319. ابن قدامة، المغني، ج4، ص280.
[3] - بيوع الأمانات: وسميت هذه البيوع بيوع أمانات، لأنها تعتمد على أمانة المشتري الذي صار بائعاً، حيث يعتمد المشتري الثاني على خبرةً في مقدار رأس المال بالإضافة إلى بيع المرابحة، وبيع التولية: وهو البيع بما قام على المشترى دون زيادة أو نقص، أي بيع السلعة برأس مالها فقط، (انظر: ابن عابدين، حاشية، رد المختار، ج8، ص123. ابن قدامة، المغني، ج4، ص242).
[4] - مركز الاقتصاد الإسلامي، المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار والتنمية، إدارة البحوث، (11) سلسلة نحو وعي اقتصادي إسلامي، ص132-133.
[5] - انظر: البريشي، إسماعيل محمد، مسألة "ضَعْ وَتعَجل" وتطبيقاتها المصرفية، موقع دائرة الإفتاء الأردنية، دراسات وبحوث، بتاريخ: 28/10، 2020، برابط: https://aliftaa.jo/Research.aspx?ResearchId
*عميد كلية الحقوق- جامعة فلسطين الأهلية- عضو الهيئة العليا للرقابة الشرعية- سلطة النقد