قراءة في ديناميكيات مشاركة المرأة في القطاع المصرفي وآفاق التطور

29

إخلاص طمليه*

في ظل بيئة اقتصادية فلسطينية تتسم بارتفاع معدلات البطالة، وضعف القدرة الاستيعابية للقطاعات الإنتاجية، لا سيما تجاه النساء، يبرز القطاع المصرفي كأحد النماذج القليلة التي استطاعت كسر هذا النمط جزئيًا. فرغم استمرار الفجوة الجندرية في سوق العمل الفلسطيني، حيث تواجه النساء معدلات بطالة مرتفعة، ومشاركة اقتصادية محدودة، تُظهر البيانات أن الجهاز المصرفي الفلسطيني يتمتع بقدرة نسبية على استيعاب الكفاءات النسوية، مع تسجيل نسب توظيف للنساء تُعد من بين الأعلى مقارنة بباقي القطاعات.

انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية لموقع المرأة داخل النظام المصرفي الفلسطيني، من خلال تفكيك دلالات ارتفاع نسب توظيفها، وإمكانيات البناء عليه كنقطة انطلاق نحو توسيع مشاركة النساء في الاقتصاد الفلسطيني على أسس أكثر توازنًا واستدامة.

إقصاء هيكلي في سوق العمل الفلسطيني

لا يمكن قراءة حضور المرأة في القطاع المصرفي بمعزل عن البيئة الأوسع لسوق العمل الفلسطيني، وهي بيئة ما تزال تتسم باختلالات بنيوية تحدّ من النفاذ العادل للنساء إلى فرص العمل. فمشاركة المرأة الفلسطينية في القوى العاملة ما تزال من بين الأدنى عالميًا، إذ لا تتجاوز 18.6% في الربع الرابع 2025، مقابل 71.5% للذكور، وهو تفاوت يعكس بنية اقتصادية واجتماعية ما زالت تعيد إنتاج الإقصاء المهني للنساء.

وتتعمق هذه المفارقة حين تُقرأ إلى جانب ارتفاع مستويات التعليم بين النساء الفلسطينيات، مقابل ضعف قدرة السوق على استيعاب هذه الكفاءات. إذ ترتفع البطالة بين حملة الدبلوم فأعلى إلى نحو 37.5%، لتصل بين الإناث إلى قرابة 44.5%، في مؤشر صريح على انفصال متزايد بين مخرجات النظام التعليمي واحتياجات الاقتصاد الفعلي. وبالتالي لا يعود التعليم رافعة للترقي الاجتماعي بقدر ما يتحول، في كثير من الحالات، إلى استثمار معطّل في رأس مال بشري غير قابل للتوظيف وخاصة الشابات المتعلمات، حيث لا يترجم الاستثمار في التعليم إلى فرص عمل لائقة أو مسارات مهنية مستقرة.

ولا تقف المعيقات عند حدود النفاذ إلى العمل، بل تمتد إلى طبيعة العمل ذاته، حيث تتمركز نسبة واسعة من النساء في وظائف منخفضة الأجر، أو أقل من الحد الأدنى من الأجور، مع تمثيل مرتفع في العمل غير المنظم، وضعف نسبي في الحماية الاجتماعية والترقي المهني.

القطاع المصرفي كأحد روافع تمكين المرأة اقتصاديًا

يُنظر إلى القطاع المصرفي الفلسطيني بوصفه أحد أكثر القطاعات المنظمة قدرة على إنتاج فرص تمكين اقتصادي للمرأة، حيث قدّم نموذجًا مختلفًا في التعامل مع حضور المرأة في سوق العمل. فخصوصية هذا القطاع لا تنبع من ارتفاع مشاركة النساء في التوظيف وحده، والتي بلغت نحو 40% من القوى العاملة المصرفية في عام 2025 مقارنة بنحو 33% في 2015، بما يعكس تحولًا تدريجيًا في البنية الوظيفية للقطاع، وإنما من طبيعة هذا الاستيعاب ذاته؛ حيث انتقل، بدرجات متفاوتة، من الإدماج الوظيفي إلى التمكين المؤسسي.

في هذا الإطار، يعد تمكين المرأة كعملية مؤسسية تقوم على بناء بيئة عمل تراعي النوع الاجتماعي وتكفل عدالة الفرص، وتوسّع إمكانيات التقدم المهني، وتؤسس لسياسات منع التمييز والتحرش، وتحدّ من الفجوات الوظيفية، وتعزز حضور النساء في مواقع التأثير وصناعة القرار. فجوهر التمكين هنا لا يتجسد فقط في الوجود العددي، بل في مدى قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى مشاركة فعلية في الوصول إلى الموارد، والمسارات القيادية، ومراكز القرار. وبهذا المعنى، ينتقل النقاش من قياس حجم مشاركة النساء إلى تقييم نوعية هذه المشاركة.

ويرتبط الدور الذي يلعبه القطاع المصرفي في تمكين المرأة بطبيعة هذا القطاع نفسه، بوصفه قطاعًا يقوم على المعرفة، ورأس المال البشري، والانضباط المؤسسي، وهي خصائص جعلته أكثر قدرة من قطاعات أخرى على استيعاب الكفاءات النسوية وتطويرها، وعلى تفكيك بعض أنماط الإقصاء التقليدية في سوق العمل. وتزداد أهمية هذا النموذج في السياق الفلسطيني، حيث يتقاطع مع ارتفاع مستويات تعليم النساء مقابل محدودية استيعاب الاقتصاد لطاقاتهن في قطاعات أخرى، ما يجعل التجربة المصرفية حالة جديرة بالقراءة. وتتجلى هذه الأهمية في عدة أبعاد رئيسية:

طبيعة مؤسسية منظّمة تعزّز الجدارة: يقوم القطاع المصرفي على أنظمة داخلية واضحة، وإجراءات عمل معيارية، ومسارات مهنية منتظمة، ما يحدّ نسبيًا من العشوائية في التوظيف والترقي، ويقوّي منطق الجدارة على حساب الاعتبارات غير الرسمية التي كثيرًا ما تعيق النساء في قطاعات أخرى.
استقرار وظيفي نسبي: في سياق يتسم بتقلبات سوق العمل، يوفر القطاع المصرفي مستويات أعلى من الأمان الوظيفي، والعقود الأكثر استقرارًا، والدخل المنتظم، لا سيما في ظل ارتفاع كلفة عدم اليقين الاقتصادي.
مواءمة مرتفعة مع مخرجات التعليم: يعتمد القطاع المصرفي على تخصصات تشهد حضورًا نسويًا، كالمحاسبة، وإدارة الأعمال، والاقتصاد، ونظم المعلومات، ما يخفف من فجوة المواءمة بين التعليم والتشغيل، بالرغم من حاجة القطاع المصرفي إلى خريجين متميزين في مجال التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية والأمن السيبراني، وهو ما يفتقده نظام التعليم في فلسطين.
بيئة عمل أكثر انضباطًا وأقل تعرضًا للمخاطر: الطابع المؤسسي المنظم للعمل المصرفي، إلى جانب مدونات السلوك وآليات الشكاوى والضبط الداخلي، يوفر بيئة مهنية أكثر أمانًا، وهو عنصر مهم في سياق محدودية البيئات الآمنة للنساء في بعض القطاعات الأخرى.
فرص تراكم مهني عبر التدريب المستمر: عبر استثمار البنوك في التدريب وبناء القدرات، ما يخلق للنساء فرصًا لتراكم خبرات نوعية تعزز موقعهن التنافسي وتوسع فرص التقدم المهني على المدى المتوسط والطويل.
تبنّي سياسات أكثر حساسية للنوع الاجتماعي: شهد القطاع، بدرجات متفاوتة، إدماجًا متزايدًا لمفاهيم تكافؤ الفرص، ودعم الأمومة، وهي عناصر تسهم في استبقائهن داخل القطاع.
مسارات مهنية تصاعدية قابلة للتخطيط: يوفر الهيكل الوظيفي في البنوك مسارات للتدرج من الوظائف التشغيلية إلى الإدارية، وهو ما يمنح النساء إمكانية بناء مسار مهني طويل الأمد، بخلاف قطاعات تفتقر إلى هذا الوضوح المؤسسي.
بوابة للتمكين الاقتصادي: يضع القطاع المصرفي النساء في تماس مباشر مع أدوات التمويل والشمول المالي، بما يعزز دورهن كفاعلات اقتصاديات، لا مجرد مشاركات في قوة العمل.
نموذج قابل للتعميم: وربما ما يمنح التجربة المصرفية أهميتها أنها تقدم نموذجًا يمكن البناء عليه، يثبت أن تمكين النساء يعد أحد مدخلات رفع الإنتاجية وتعزيز الكفاءة المؤسسية.

التكنولوجيا المالية كأفق جديد لتمكين النساء

إذا كان القطاع المصرفي قد مثّل خلال العقود الماضية أحد أهم مساحات استيعاب المرأة الفلسطينية، فإن التحول المتسارع نحو التكنولوجيا المالية يفتح اليوم أفقًا أوسع. فمع انتقال العمل المصرفي من نموذج الفروع التقليدية إلى نموذج رقمي قائم على انشاء التطبيقات التفاعلية، وأنماط الدفع الالكتروني، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، فتتولد مسارات مهنية جديدة أقل ارتباطًا بالأنماط التقليدية للتدرج الوظيفي.

يكتسب هذا التحول أهمية مضاعفة في السياق الفلسطيني، في ظل التوسع التدريجي في المحافظ الإلكترونية، وأنظمة الدفع الرقمي، والخدمات المصرفية عبر الهاتف، إلى جانب محاولات بناء بيئة ابتكار مالي محلية. كما أن نمو حجم المعاملات الرقمية خلال السنوات الأخيرة يعكس تحولًا فعليًا في سلوك المستخدمين، ويعزز من دور الاقتصاد الرقمي كمساحة جديدة للتشغيل. وفي هذا الإطار، تظهر التكنولوجيا المالية كمساحة يمكن أن تستوعب جزءًا مهمًا من الفائض في الكفاءات النسوية، خاصة مع ارتفاع نسبة الخريجات في مجالات الأعمال والتكنولوجيا.

وبخلاف المسارات المصرفية التقليدية، تتيح التكنولوجيا المالية وظائف ومجالات عمل أكثر تنوعًا، تشمل تحليل البيانات، وتطوير التطبيقات المالية، والأمن السيبراني، والامتثال الرقمي، وتصميم تجربة المستخدم، وإدارة المنتجات الرقمية. كما أن هذا التحول يضعف، نسبيًا، من القيود المرتبطة بالتراتبية الوظيفية، ويعزز من قيمة المهارة والابتكار، ما يخلق بيئة أكثر انفتاحًا أمام النساء.

ومع ذلك، فإن تحويل هذا الأفق إلى فرصة فعلية يتطلب الاستثمار في شروطه، بحيث لا يعيد الاقتصاد الرقمي إنتاج الفجوات القديمة بصيغة جديدة. ويمكن للنساء الاستفادة من التحول الرقمي في القطاع المالي عن طريق الآتي:

الاستثمار في المهارات الرقمية: مثل تعلم تحليل البيانات، وأساسيات البرمجة، والأمن السيبراني للدخول إلى الوظائف المالية الحديثة.
التوجه نحو التخصصات الهجينة: الجمع بين الخلفية المالية والمعرفة التقنية (FinTech Skills)  يمنح أفضلية تنافسية عالية، خصوصًا في مجالات مثل تحليل البيانات المالية أو المنتجات الرقمية.
بناء شبكة مهنية رقمية: المشاركة في مجتمعات التكنولوجيا، بما يعزز فرص الوصول إلى وظائف أو تطوير مشاريع.
التوجه نحو ريادة الأعمال الرقمية: التكنولوجيا المالية تفتح الباب أمام إنشاء مشاريع صغيرة في مجالات الدفع، الخدمات المالية الرقمية.

التجربة المصرفية كنموذج قابل للتعميم

تتجاوز تجربة المرأة في القطاع المصرفي بعدها القطاعي، لتطرح نموذجًا يعيد تعريف قواعد التشغيل في السوق الفلسطيني. فارتفاع مشاركة النساء لم يكن استثناءً، بل نتيجة مباشرة لبنية مؤسسية منضبطة، ومعايير توظيف شفافة، وبيئة عمل قائمة على الكفاءة.

في المحصلة، لا تختزل التجربة المصرفية في كونها حالة نجاح قطاعية، بل تكتسب قيمتها الحقيقية بوصفها نموذجًا كاشفًا لاختلالات أعمق في بنية سوق العمل الفلسطيني، ودليلًا عمليًا على إمكانية إعادة هندسة هذه البنية على أسس أكثر عدالة وكفاءة. فهي تؤكد أن تمكين المرأة لا يتحقق عبر تدخلات جزئية أو خطاب سياساتي عام، بل من خلال إعادة بناء قواعد التشغيل ذاتها: حوكمة منضبطة، مسارات مهنية واضحة، وربط فعلي بين الكفاءة والفرص.

وعليه، فإن التحدي لم يعد في إثبات قدرة النساء على الاندماج، بل في إعادة هيكلة السوق ليصبح قادرًا على استيعاب هذا التمكين. هنا، تتحول التجربة المصرفية من مجرد نموذج ناجح إلى معيار كاشف، يفرض على صانعي السياسات والفاعلين الاقتصاديين إعادة التفكير في أنماط التشغيل، ومعايير التوظيف، وبنية الحوافز داخل الاقتصاد ككل. هنا، تتحول التجربة المصرفية من مجرد استثناء إلى معيار يُقاس عليه، وإلى إطار يمكن البناء عليه لتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية للنساء كاستحقاق اجتماعي، وخيار اقتصادي عقلاني يعزز الإنتاجية، ويعيد توظيف رأس المال البشري المعطل.

*باحثة اقتصادية