من تعظيم الربح إلى تعظيم الأثر: قيادة الاستدامة في القطاع المالي العربي والفلسطيني

43

بقلم: م. شيرين موسى السيد*

حين تتحوّل الظواهر المناخية المتطرفة، واضطراب النظم البيئية، وتزايد هشاشة المجتمعات إلى جزء من المشهد اليومي للاقتصاد، يصبح التعامل مع الاستدامة كخيار ثانوي في العمل المالي مخاطرة استراتيجية تمس استقرار النظام المالي ذاته. في هذا السياق، تغدو الاستدامة لغة تشغيل جديدة لصناعة القرار في البنوك والأسواق؛ لغة تعيد تعريف معنى الربحية، وطبيعة المخاطر، وحدود مسؤولية القطاع المالي تجاه الاقتصاد والمجتمع.

انطلاقًا من هذه الحقيقة، يتوجّه هذا المقال بالأساس إلى صُنّاع القرار في البنوك المركزية، والهيئات الرقابية، والمصارف العربية والإسلامية، ومجالس إدارة المؤسسات المالية التي تدير اليوم أعصاب النظام الاقتصادي في المنطقة. لا يكتفي المقال بوصف التحوّل، بل يقدّمه كأجندة عمل عملية للإجابة عن سؤال محوري: كيف ينتقل القطاع المالي العربي والفلسطيني من منطق تعظيم الربح قصير الأجل إلى منطق تعظيم الأثر ومناعة الاقتصاد والمجتمع، عبر إعادة هندسة الحوكمة، وإدارة المخاطر، وتصميم المنتجات المالية؟ وفي هذا الإطار، يطرح المقال نموذجًا رباعي الأبعاد لقيادة الاستدامة في المؤسسات المالية، يستند إلى أحدث الأطر العلمية في مخاطر المناخ والنظام المالي، ويُعاد بناؤه في ضوء مرجعية إسلامية تجعل من الاستخلاف وعمارة الأرض والعدالة بين الأجيال جزءًا من صُلب القرار المالي لا من هوامشه.

الاستدامة كلغة جديدة لصناعة القرار المالي

في مراكز صنع القرار المالي اليوم، من البنوك المركزية والهيئات الرقابية إلى المصارف التجارية والإسلامية وصناديق الاستثمار، لم تعد الاستدامة ملفًا جانبيًا يُحال إلى إدارة العلاقات العامة، بل غدت لغة تشغيل إستراتيجية تُعيد توجيه مسارات التمويل، وتشكل هندسة المخاطر النظامية، وتفرز عمليًا بين مؤسسات تمتلك مقومات البقاء والريادة وأخرى تُدفَع تدريجيًا إلى هامش السوق.

في هذا المقال نستخدم مفهوم الاستدامة في القطاع المالي للدلالة على إطار حوكمة متكامل لإدارة المخاطر والفرص البيئية والاجتماعية والحوكميّة، ودمجها في قرارات الائتمان والاستثمار والإشراف المالي، مع تركيز خاص على المخاطر المناخية ومخاطر الطبيعة بوصفها مصدرًا مباشرًا للمخاطر الائتمانية والسوقية والنظامية على مستوى النظام المالي ككل.

وعلى المستوى العالمي، تُجمِع الأدبيات الحديثة على أن الخطر البيئي أصبح في صميم الخطر المالي؛ فتقارير المخاطر العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024 تضع المخاطر المرتبطة بالمناخ واضطراب النظم البيئية في مقدمة المخاطر بعيدة المدى المهدِّدة لاستقرار الاقتصادات والأسواق المالية خلال العقد القادم، بينما تُظهِر تحديثات إطار "حدود الكوكب" (Planetary Boundaries)  أن النشاط البشري تجاوز بالفعل معظم الحدود البيوفيزيائية الحرجة، وأن العالم يعمل خارج "منطقة الأمان التشغيلي" للحضارة الإنسانية. هذه ليست إشارات بيئية محضة، بل مدخلات مباشرة في معادلات المخاطر الائتمانية والسوقية والتشغيلية والنظامية، ما يجعل استيعابها وإدماجها في نماذج عمل القطاع المالي شرطًا لصون الاستقرار المالي على المدى المتوسط والبعيد.

وعلى هذه الخلفية، تتخذ الصورة في المنطقة العربية، وفي فلسطين خصوصًا، بعدًا أكثر هشاشة؛ فالمشهد التنموي والمالي يتشكّل ضمن حزام جاف وشبه جاف، وندرة مائية هيكلية، ونظم زراعية وغذائية شديدة الحساسية لارتفاع درجات الحرارة وتقلّب أنماط الهطول، وبنى تحتية محدودة، واعتماد كبير على واردات الطاقة والغذاء؛ ما يجعل أي موجة جفاف أو فيضانات موسمية أو صدمة في أسعار النفط أو القمح قابلة للتحوّل سريعًا من "مخاطر قطاعية" إلى مخاطر نظامية تهدّد الاستقرار المالي والاجتماعي برمّته. وفي السياق الفلسطيني، تتضاعف هذه المخاطر تحت وطأة الاحتلال، وتعقيدات الأمن، وصعوبات الحركة والتنقّل، ومحدودية الوصول إلى الأرض والمياه والموارد الطبيعية، بحيث تصبح قرارات التمويل والاستثمار جزءًا مباشرًا من معادلة الصمود الاقتصادي والاجتماعي، ويغدو تبنّي الاستدامة في سياسات ونماذج عمل القطاع المالي ضرورة وجودية لتعزيز مناعته وتعظيم أثره التنموي.

في هذا المنعطف التاريخي، لم يعد التحدّي أمام مجالس الإدارة ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع السياسات النقدية والرقابية مجرّد حسم الموقف من الاستدامة، بل حسم شكل المستقبل الذي يستعدّ له القطاع المالي: فإمّا قيادة تُبقي الاستدامة محصورة في إطارٍ اتصالي وإفصاحاتٍ تقريرية شكلية، ، وإمّا قيادة تستشرف العقود القادمة وتجعل من الاستدامة عقلًا استراتيجيًا حاكمًا لقرارات الائتمان والاستثمار، يعيد صياغة معادلة الربحية بحيث تصبح جزءًا من معادلة صمود المجتمعات ومتانة النظم البيئية واستقرارها، لا عبئًا عليها.

من ملف مسؤولية اجتماعية إلى منطق مالي حاكم

خلال العقدين الأخيرين، انتقلت الاستدامة من خانة "المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات" كملف هامشي شكلي، إلى موقع المكوّن الجوهري في نموذج الأعمال. دراسات الأمم المتحدة والميثاق العالمي للأمم المتحدة تُظهِر أن غالبية الرؤساء التنفيذيين باتوا يرون الاستدامة جزءًا أصيلًا من دورهم القيادي ومن إستراتيجية شركاتهم، لا مبادرة تطوعية أو نشاط علاقات عامة، وأن شريحة واسعة من الشركات تطوّر منتجات وخدمات قائمة على الاستدامة وتستثمر في تحسين أنظمة البيانات لقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

بالنسبة للقطاع المالي، كان هذا التحوّل أعمق وأكثر حساسية؛ لأن العبارة التي كثيرًا ما تُردَّد اليوم  "المخاطر المناخية هي مخاطر مالية" لم تعد مجرّد شعار، بل أصبحت إطارًا تنظيميًا حاكمًا. شبكة البنوك المركزية والجهات الرقابية لتخضير النظام المالي (NGFS) Network for Greening the Financial System التي تضم عشرات البنوك المركزية والهيئات الرقابية، تعمل على ترجمة هذا المبدأ إلى سياسات عملية: إدماج مخاطر المناخ في نماذج الإشراف المصرفي، تطوير اختبارات ضغط مناخية للمصارف، تصميم سيناريوهات قصيرة وطويلة الأجل لقياس أثر مسارات المناخ والسياسات التنظيمية على الاستقرار المالي، وتشجيع الإفصاح المناخي والبيئي كجزء من متطلبات الشفافية.

عمليًا، أدّى ذلك إلى انتقال الاستدامة في القطاع المالي من كونها "عنوان تقرير سنوي" إلى أن تصبح جزءًا من منطق القرار المالي نفسه. فالاستدامة اليوم:

شرط متزايد الأهمية للوصول إلى التمويل الدولي والأسواق؛ إذ يربط المستثمرون العالميون، وصناديق التقاعد، وبنوك التنمية جزءًا كبيرًا من قراراتهم بمعايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG) Environmental, Social and  Governance وبتوفّر سياسات واضحة لإدارة مخاطر المناخ والطبيعة.
عامل حاسم في تسعير المخاطر الائتمانية؛ حيث تؤخذ مخاطر المناخ الفيزيائية والانتقالية في الحسبان عند تقدير مخاطر التعثّر، وتحديد سعر الفائدة أو هامش الربح، ونوعية الضمانات.
معيار رئيسي لتصنيف الأصول؛ إذ يزداد التمييز بين أصول عالقة في نموذج اقتصادي كثيف الكربون ومعرّض للتشدد التنظيمي، وأصول خضراء أو انتقالية تدعم التحوّل نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات وأكثر كفاءة في استخدام الموارد.

في هذا المشهد، تجد المصارف العربية، والبنوك الإسلامية، وشركات التمويل الأصغر، وصناديق الاستثمار السيادي والخاص نفسها أمام لحظة حسم عملية: إمّا إعادة تصميم سياسات الإقراض والاستثمار ونماذج المخاطر وهيكل المنتجات بما ينسجم مع منطق الاستدامة  عبر دمج معايير ESG  في التقييم الائتماني، وتطوير الصكوك والسندات الخضراء، وتقديم قروض مرتبطة بالأداء البيئي والاجتماعي، وإجراء اختبارات ضغط مناخية على المحافظ في القطاعات كثيفة المخاطر، أو تحمّل تكلفة متزايدة في شكل ارتفاع مخاطر التعثّر، وتراجع جودة الأصول، وفقدان القدرة التنافسية في أسواق تمويل أكثر صرامة وانتقائية تجاه الأداء البيئي والاجتماعي والحوكمي.

هشاشة موارد المنطقة كفرصة لإعادة تعريف دور القطاع المالي

رغم ضيق الحيّز السياسي والاقتصادي في عدد من البلدان العربية، بدأت تتبلور ملامح تحوّل حقيقي في السياسات الوطنية المرتبطة بالمناخ والاستدامة: مساهمات وطنية محدَّثة في إطار اتفاق باريس، إستراتيجيات بعيدة المدى مثل "رؤية مصر 2030"، برامج التحديث الاقتصادي والتحوّل الأخضر في الأردن، وأنظمة متزايدة الصرامة لكفاءة الطاقة وإدارة المياه في عدد من دول الخليج. هذه المنظومة التنظيمية ترسل إشارة واضحة للأسواق المالية: رأس المال الذي يتجاهل المخاطر البيئية والاجتماعية لن يكون فقط أعلى تكلفة، بل سيكون أكثر انكشافًا وهشاشة في السنوات المقبلة.

في فلسطين، حيث تضاعف قيود الاحتلال وضعف البنى التحتية من أثر أي صدمة مناخية أو اقتصادية، يكتسب القطاع المالي من المصارف التجارية والإسلامية إلى مؤسسات التمويل التنموي دورًا محوريًا في هندسة الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وفي توجيه الموارد نحو مسارات تدعم الاستقرار لا تستهلكه. يتجلّى ذلك في تمويل مشاريع الطاقة المتجددة اللامركزية التي تقلّل الاعتماد على الشبكات المعرّضة للانقطاع، ومشاريع كفاءة الطاقة في المباني والمنشآت الصناعية والتجارية، ودعم التحوّل في نظم الري والزراعة نحو حلول ذكية مناخيًا وأكثر كفاءة في استخدام المياه، وتمويل التحديث الأخضر للأصول الصناعية القائمة، والاستثمار في مبادرات إعادة التدوير وتحسين كفاءة استهلاك الموارد، إلى جانب تصميم أدوات تأمين وتمويل مبتكرة تعزّز قدرة الأسر والمنشآت الصغيرة والمتوسطة على امتصاص الصدمات والتعافي منها.

بهذا المعنى، لا تعود الاستدامة في السياق العربي والفلسطيني ترفًا أخلاقيًا أو مكوّنًا تكميليًا غير حاسم في نموذج الأعمال، بل تتحوّل إلى شرط بقاء اقتصادي ومالي، وإلى إطار حتمي لإدارة المخاطر على مستوى النظام ككل، ويغدو القطاع المالي بمثابة "نظام توزيع الأكسجين" في جسد الاقتصاد؛ إمّا أن يضخّ التدفقات المالية في الاتجاهات التي تعزّز القدرة على الصمود والتحوّل، أو يترك أجزاء واسعة من الاقتصاد والمجتمع على هامش القدرة على البقاء.

من قيادة الأرباح إلى قيادة الأثر

على هذه الخلفية، يتّضح أن النموذج القيادي التقليدي في كثير من المؤسسات المالية، القائم على تعظيم عائد المساهمين قصير الأجل، والاكتفاء بحدٍّ أدنى من الامتثال التنظيمي، والتعامل مع البيئة والمجتمع بوصفهما "تكاليف خارجية" أو عناصر سمعة  لم يعد قادرًا على مواكبة واقع المخاطر والتحوّل نحو اقتصاد منخفض الكربون.

في المقابل، يطرح معهد كامبريدج لقيادة الاستدامة نموذج "القيادة ذات الأثر" بوصفه نمطًا قياديًا يربط بصورة صريحة بين نجاح الأعمال وتحقيق نتائج إيجابية للمجتمع والبيئة، عبر غاية مؤسسية واضحة، وتفكير تكاملي بالمخاطر والفرص، ومنظومة قيم تنعكس في الممارسة اليومية داخل القطاع المالي. هذه الرؤية تنسجم مع أطروحات مفكرين مثل مالك بن نبي، الذي رأى أن الأزمة في "فكرة تنظّم علاقة الإنسان بالأرض والزمن"، وعبد الوهاب المسيري الذي رفض اختزال الإنسان في "وحدة استهلاكية" ودعا إلى إخضاع المؤسسات، وفي القلب منها المؤسسات المالية، لمرجعية قيمية عليا، كما تجد جذورها التاريخية في نموذج الحوكمة والشفافية وحماية المال العام في تجربة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وهكذا، يغدو الانتقال من "قيادة الأرباح" إلى "قيادة الأثر" خيارًا استراتيجيًا يمكّن القطاع المالي من الإسهام في بناء اقتصاد أكثر عدلًا واستدامة وقدرة على الصمود.

إطار رباعي لبناء قيادة الاستدامة في القطاع المالي

يمكن أن يمثّل نموذج كامبريدج و"قيادة الاستدامة" " مفهوم أشمل مؤصّل في السياق العربي الإسلامي" بعد تفكيكه وإعادة بنائه في ضوء مفهوم الاستخلاف ومقاصد عمارة الأرض، نقطة انطلاق عملية للمؤسسات الفلسطينية والعربية؛ أي أن يُعاد تشكيله نموذجًا مؤصّلًا ومُوطَّنًا يعكس هويتنا ويتعامل بجدّية مع متطلبات السوق والحوكمة والمعايير المالية المعاصرة. ومن خلال هذه القراءة يمكن تلخيص إطار رباعي لبناء "قيادة الاستدامة" داخل البنوك والمؤسسات المالية كما يلي:

قراءة السياق والمخاطر النظامية

الانطلاق من فهم دقيق للواقع عبر تقارير المخاطر العالمية، وأبحاث المناخ و"حدود الكوكب"، وتحليلات الهيئات العلمية، وقياس تعرّض المحافظ لمخاطر المناخ والطبيعة (الفيزيائية ومخاطر التحوّل)، وربط ذلك بالمساهمات المحددة وطنيًا في اتفاق باريس Nationally Determined Contributions (NDCs)، وخطط الطاقة والمياه والاقتصاد الأخضر بوصفها إشارات مبكرة لمسار التنظيم والسوق.

غاية مؤسسية تربط الربحية بالمقاصد والعدالة

إعادة صياغة سبب وجود المؤسسة المالية بحيث تجمع بين تعظيم العائد المستدام وتقليل المخاطر النظامية، وبين حماية حياة الناس واستقرارهم المعيشي، وضمان قدرة الأجيال الحاضرة والقادمة على العيش الكريم عبر تمويل قطاعات الأمن الغذائي والمائي والطاقة النظيفة، وحفظ البيئة بوصفها رأس مالًا طبيعيًا لا يجوز استنزافه. هذا التأصيل يمنح البنوك خاصة الإسلامية إطارًا حضاريًا واضحًا لبيانات الغاية وسياسات الائتمان والاستثمار وتصميم أدوات مثل الصكوك الخضراء، صناديق الوقف التنموي، وتمويل التحوّل العادل للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

تطوير القيادات: وعي، وسمات، وممارسة

تستند القيادة المستدامة إلى ثلاث ركائز:

وعي معرفي لدى مجالس الإدارة ولجان المخاطر بمفاهيم التمويل المستدام، ومخاطر المناخ والتنوع الحيوي، ومعايير الإفصاح، والقدرة على قراءة السيناريوهات وترجمتها إلى قرارات عملية.
عقلية قيَميّة طويلة الأجل توازن بين الربح قصير الأجل واستقرار المجتمع والبيئة، وتضبط الذكاء المالي بمرجعية أخلاقية واضحة.
ممارسة عملية تُترجَم إلى إدماج معايير ESG في تقييم الائتمان والاستثمار، وربط التمويل بخطط تحوّل للمشروعات عالية الانبعاثات أو كثيفة استهلاك الموارد، وتصميم منتجات خضراء ومبتكرة تشجّع العملاء على تحسين أدائهم البيئي والاجتماعي.

حوكمة وتعّلُم مستمر

تتحوّل "القيادة ذات الأثر" إلى واقع عبر حوكمة متينة ومؤشرات واضحة: إدراج مؤشرات الاستدامة في لوحات القيادة التنفيذية (نسبة الأصول الخضراء والانتقالية، الانبعاثات المموَّلة، تعرّض المحفظة للقطاعات الهشّة مناخيًا ومائيًا، مؤشرات الشمول المالي للفئات الأضعف والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومؤشرات كفاءة الطاقة والمياه وحجم التمويل الموجَّه للاقتصاد الدائري والأمن الغذائي والمائي)، وربط جزء من حوافز الإدارة العليا بتحقيق أهداف الاستدامة لا الربحية وحدها، وإنشاء لجان استدامة على مستوى مجلس الإدارة، ومراجعة السياسات دوريًا في ضوء التطوّر العلمي والتنظيمي. من منظور إسلامي، يمثّل ذلك امتدادًا لمفاهيم الأمانة والمحاسبة والشورى ورفع الضرر، حيث تُربط السلطة بالمساءلة، والموارد بحقوق المجتمع والأجيال القادمة، والقرار بمعيار "لا ضرر ولا ضرار"

من ربح اليوم إلى أمان الغد

الانتقال من نموذج القيادة التقليدية إلى قيادة الاستدامة في القطاع المالي لم يعد مقاربة اختيارية في العمل المالي المؤسسي، بل استجابة إستراتيجية لحقيقة صلبة: لا يمكن لأي نظام مالي أن يحافظ على استقراره في اقتصاد يعمل خارج حدود الكوكب الآمنة، أو داخل مجتمعات تتآكل فيها العدالة وتتزايد فيها هشاشة الفئات الأضعف؛ لأن هذه الهشاشة تتحوّل عاجلًا أو آجلًا إلى مخاطر ائتمانية وسوقية ونظامية.

في السياق العربي والفلسطيني، حيث تتقاطع هشاشة الموارد الطبيعية مع هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية، يصبح تعظيم الأثر الإيجابي للقطاع المالي، لا تعظيم الربح قصير الأجل وحده، شرطًا لبقاء الأعمال واستقرار المجتمعات معًا. فالمصارف والمؤسسات المالية التي تبني قيادة استدامة واعية، تستند إلى الأطر العلمية العالمية ثم تعيد تأصيلها في مرجعية حضارية إسلامية قائمة على الاستخلاف وعمارة الأرض والمقاصد، ستكون أكثر قدرة على تلبية متطلبات المنظِّمين والمستثمرين، وأكثر قدرة على التأثير في مسار التحوّل الاقتصادي في المنطقة بدل الاكتفاء بردّ الفعل.

بهذا المعنى، تصبح القيادة المؤسسية للاستدامة في القطاع المالي معادلة دقيقة بين ربح اليوم وأمان الغد؛ بين قوة الميزانية العمومية وقوة المجتمع؛ وبين حسابات العائد والمخاطر من جهة، وحساب أمانة الاستخلاف ومسؤولية حماية رأس المال الطبيعي والاجتماعي من جهة أخرى، في عالم يزداد هشاشة، لكنه لا يزال زاخرًا بفرص تصميم نماذج تمويل أكثر عدلًا وقدرة على تعظيم الأثر الإيجابي على الإنسان والبيئة والاقتصاد معًا. والسؤال لم يعد: هل نستجيب لمنطق الاستدامة؟ بل: أي دور نختار أن يلعبه قطاعنا المالي في رسم مستقبل اقتصادنا ومجتمعاتنا؟ فإمّا قيادة تصنع المسار، أو مؤسسات تُدفَع إلى هامشه.

*مؤسسة ومديرة تنفيذية شركة "جلوبل فلسطين للتدقيق- وخبيرة تطوير مؤسسي" ..إدارة مخاطر مؤسسية واستدامة

في عام 2020 أصدرت دولة عربية أول سند سيادي أخضر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقيمة 750 مليون دولار، في إطار "برنامج تمويل مستدام" موجَّه لمشروعات تشمل المباني الخضراء، الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة.
وفي عام 2021، أصدر أحد أكبر البنوك الخاصة في الدولة نفسها سندًا أخضر بقيمة 100 مليون دولار بالشراكة مع مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، لتوسيع تمويل المشروعات الخضراء في القطاع الخاص، مع التركيز على المباني الخضراء وسد فجوات تمويل البنية التحتية المستدامة.

في عدد من الدول العربية والإسلامية، بدأت بنوك إسلامية وهيئات سيادية في استخدام أدوات مثل الصكوك الخضراء والوقف التنموي لتمويل مشروعات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وإدارة المياه، ضمن هياكل تمويلية متوافقة مع الشريعة تقوم على أصول حقيقية ومشاركة في العائد والمخاطرة، وتربط صراحة بين العائد الاستثماري والأثر البيئي والاجتماعي الإيجابي.