في ظل معادلة مستحيلة

30

إخلاص طمليه*

في ظل المعادلة المستحيلة من  عدوان غاشم، وتكدس الشيقل، وأزمة مالية متصاعدة، يصمد القطاع المصرفي الفلسطيني،  فهل يمكن لاقتصادٍ محاصرٍ ومجزأٍ أن يمتلك قطاعاً مصرفياً أكثر تماسكاً من معايير" بازل" التي وُضعت لاقتصادات مستقلة ذات سيادة نقدية؟

هذا هو السؤال الذي يفرضه المشهد المالي الفلسطيني بين عامي 2023 و2025 واجه الاقتصاد الفلسطيني أقصى درجات الضغط  من العدوان  المدمر على قطاع غزة والذي عطّل دورة رأس المال الاجتماعي والإنتاجي، وتضييقًا اقتصاديًا ممنهجًا على الضفة الغربية شلّ حركة النقد والسلع معًا.

وعليه، لا يهدف هذا المقال إلى مجرد توثيق الخسائر المالية الناتجة عن العدوان، بل إلى فهم البنية التي جعلت النظام المصرفي الفلسطيني قادراً على البقاء في ظل معادلة مستحيلة: عدوان غاشم، وتكدس الشيقل، وأزمة مالية عامة. كيف يمكن لمؤسسات مالية تعمل في اقتصاد بلا سيادة أن تحافظ على متانتها أكثر من الاقتصاد نفسه؟

العدوان والاختبار البنيوي للقطاع المصرفي

تعرّض القطاع المصرفي الفلسطيني خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة من أواخر عام 2023 وحتى نهاية عام 2025 لخسائر قاسية، مباشرة وغير مباشرة، عكست حجم التحدي الذي واجه مؤسسة مالية تعمل تحت الحصار وفي ظل اقتصادٍ هشّ أصلاً. فقد شملت الأضرار تدمير عدد من المقرات البنكية والفروع العاملة في القطاع، وتعطّل البنية التحتية المالية والإلكترونية، وتوقف الأنشطة الائتمانية والتحويلات شبه الكامل، إلى جانب ارتفاع المخاطر التشغيلية والائتمانية على حد سواء.

وأشارت بيانات جمعية البنوك في فلسطين إلى أن العدوان خلّف آثارًا مالية عميقة على أداء المصارف العاملة في فلسطين، إذ تراجع صافي الربح في القطاع المصرفي بنسبة 26% عام 2023، ثم بنسبة حادّة بلغت نحو 74% في عام 2024، نتيجة تراجع الإيرادات التشغيلية، وارتفاع المخصصات الاحترازية لمواجهة الديون المتعثرة، وازدياد كلفة المخاطر الائتمانية. كما انخفض العائد على الموجودات بنسبة 30% في عام 2023 و76% في عام 2024، فيما تراجع العائد على حقوق الملكية بنسبة 29% و75 % في العامين نفسيهما على التوالي، ما يعكس عمق التأثير التشغيلي للأزمة على الأداء المالي الكلي للجهاز المصرفي. 


وقبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، كان يعمل في السوق المالي لقطاع غزة عشرة مصارف محلية وأجنبية، شكّلت شبكة الخدمات المصرفية الأساسية للسكان والقطاعين التجاري والإنتاجي. غير أنّ العدوان الإسرائيلي المدمّر أدّى إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية المالية.

فبحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإنّ إعادة تأهيل القطاع المالي في غزة تتطلّب ما لا يقل عن(42) مليون دولار خلال خمس سنوا.  ومع نهاية عام 2024، أظهرت البيانات أن(33)  فرعاً مصرفياً دُمّر تدميراً كلياً،و(19)  فرعاً آخر تضرّر جزئياً، أي أنّ نحو98% من البنية المصرفية في القطاع خرجت عن الخدمة. بما يشمل الدمار المقرّات الإدارية والخزائن المركزية للبنوك، ما أدّى إلى فقدان جزء من الأصول النقدية والمادية، وتعطّل دورة النقد، وتوقف الأنشطة المالية شبه التام.

وقد بلغت الخسائر المادية المباشرة المتمثلة في المباني والمعدات والأنظمة البنكية في قطاع غزة نحو(14)مليون دولار أمريكي، بينما تجاوزت الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف الأعمال وتراجع الإيرادات التشغيلية (325) مليون دولار حتى مطلع 2025. ولا تقتصر هذه الخسائر على المؤسسات المالية، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية الفلسطينية، إذ أدى توقف المصارف وشركات الصرافة إلى إعاقة تدفق التحويلات الإنسانية والمالية من الخارج.

ورغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها القطاع المصرفي الفلسطيني إلا أنّ مؤشرات أدائه الرقابية والمالية بقيت أفضل من الحدود الدنيا المعتمدة في الاقتصادات المستقلة ذات السيادة النقدية، وفقًا للمعايير الدولية الصادرة عن لجنة "بازل" للرقابة المصرفية.

فبحسب مؤشر كفاية رأس المال (Capital Adequacy Ratio - CAR)، الذي يُعدّ خط الدفاع الأول لضمان استقرار البنوك وقدرتها على مواجهة المخاطر وحماية أموال المودعين، بلغت النسبة في فلسطين 16.6%  من الأصول المرجّحة بالمخاطر في عام 2024، مقارنة بـ 16.2% عام 2023.  ويُعد هذا المستوى أعلى بكثير من النسب المحددة في المعايير الدولية، إذ توصي اتفاقية بازل II بنسبة لا تقل عن 8%، في حين رفعتها بازل III إلى 10.5%، بينما تفرض سلطة النقد الفلسطينية معياراً أكثر تشدداً يبلغ 13.5% .

أما على صعيد حقوق الملكية، التي تمثل الأساس في قوة القاعدة المالية وتنوّع مصادر التمويل، فقد واصل القطاع المصرفي تعزيزها رغم الظروف الصعبة، إذ تجاوزت قيمتها 2.2  مليار دولار عام 2024، مسجِّلة زيادة بنسبة 4% مقارنة بعام 2023، لتشكّل نحو  11% من إجمالي مطلوبات القطاع المصرفي.

ويمكن القول إن سلطة النقد الفلسطينية لم تسجل أيّ حالة انهيار مصرفي أو صعوبة سحب للودائع، في مؤشر على متانة النظام الرقابي. ما يعكس هذا السلوك المؤسسي قدرة الجهاز المصرفي الفلسطيني على امتصاص الصدمات دون امتلاك أدوات سيادية مستقلة، ما يؤكد أنّ متانته هي نتاج حوكمة داخلية ووعي تنظيمي أكثر منها نتاج استقرار سياسي خارجي.

ترتيبات المراسلة وأزمة تكدّس الشيقل

تعد أزمة الشيقل نتاج تراكمي طويل الأمد يرتبط بـ هيكلية الاقتصاد الفلسطيني والاتفاقات الاقتصادية مع الجانب الاسرائيلي مع الاقتصاد الإسرائيلي، يقابله عدم مرونة في آليات تحويل النقد بين الطرفين، ما تسبب في أن تتحول الفوائض النقدية إلى عبء على النظام المصرفي الفلسطيني ويضعه في مواجهة أزمة سيولة وقيود على تمويل التجارة والأنشطة الاقتصادية. وقد أدى التراكم المتزايد للشيقل في السوق المحلية ناجم عن سقوف التحويل المنخفضة والتي حددتها الحكومة الإسرائيلية بـ (18) مليار شيقل سنويًا منذ 2018، وهو سقف لم يواكب النمو الطبيعي للاقتصاد الفلسطيني خلال السنوات الأخيرة، ما قيد قدرة البنوك على التخلص من الفائض أو تغذية حساباتها لتغطية مدفوعات المقاصة وتسوية الالتزامات التجارية والمالية بين الجانبين.

وبلغت الأزمة بمنتصف عام 2025 مرحلة حرجة تهدّد استمرارية النظام المصرفي وقدرته على تمويل التجارة مع  الجانب الإسرائيلي أو عبرها من خلال القنوات المصرفية الرسمية. وكبّدت هذه القيود البنوك الفلسطينية أعباء مالية جسيمة، وانعكست سلباً على المواطنين الذين يواجهون صعوبات متزايدة في إنجاز معاملاتهم النقدية بالشيقل ضمن النظام المصرفي الرسمي، ما أدى إلى تحويل جزء من التعاملات نحو الدينار الأردني والدولار الأمريكي وخلق سوق سوداء ناشطة لتبادل العملات في بعض المناطق. كما أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى تفاقم أزمة السيولة اللازمة لتمويل التجارة المحلية والدولية، وهو ما قد يتسبب في تباطؤ أشد للنشاط الاقتصادي الفلسطيني.

فجوة تمويلية لا يمكن سدها بالوسائل الاعتيادية

شهدت المالية العامة الفلسطينية خلال العام 2024 تصاعداً حاداً في حجم الضغوط والتحديات البنيوية، إذ واجهت الخزينة العامة وضعًا ماليًا استثنائيًا اتسم بتراجع غير مسبوق في التدفقات النقدية. وقد جاء هذا التراجع نتيجة مباشرة لاستمرار سياسة الاقتطاع والاحتجاز التعسفي لأموال المقاصة من قبل الجانب الإسرائيلي، وبمبالغ وُصفت بأنها الأكبر منذ نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية.

 وتكمن خطورة هذه الاقتطاعات في كونها تطال الرافد المالي المركزي الذي تعتمد عليه الموازنة الفلسطينية في تمويل نفقاتها الجارية والتزاماتها الاجتماعية. إذ تشكّل أموال المقاصة المصدر الرئيس للتدفقات النقدية إلى الخزينة العامة، وأي خلل في انتظام تحويلها ينعكس فورًا على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها تجاه موظفيها ومورديها، وعلى انتظام الدورة المالية العامة ككل.

وقد تزامن هذا الواقع المالي المعقّد مع تدهور شامل في الأوضاع الاقتصادية بفعل تداعيات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وما خلّفه من انكماش في النشاط الاقتصادي، وتراجع في الإيرادات المحلية، وارتفاع في معدلات البطالة والفقر. مما عمّق من حجم الاختلال المالي الذي واجهته الحكومة الفلسطينية، وفاقم من حدة الأزمة الهيكلية في المالية العامة، بحيث أصبحت الضغوط المالية متعددة الأبعاد، تتجاوز الجانب المحاسبي إلى مسألة الاستدامة المالية والسيادية ذاتها.

وقد انعكس هذا الواقع المالي في تراكمٍ متسارع للمتأخرات المالية على الخزينة العامة. وبالموازاة، ارتفع الاعتماد الحكومي على الاقتراض الداخلي من القطاع المصرفي كأداة تمويل اضطرارية لتعويض نقص السيولة، الأمر الذي خلق حلقة مفرغة من التبعية المالية المتبادلة بين الحكومة والجهاز المصرفي.

وقد بلغت صافي الإيرادات المحلية المتحصّلة فعليًا نحو(2.4)  مليار شيقل فقط، مقابل إجمالي التزامات مالية مستحقة على الحكومة تُقدّر بحوالي (4.6)  مليار شيقل، ما يعكس اتساع فجوة التمويل إلى نحو (2.2)  مليار شيقل حتى نهاية الربع الثاني من عام 2025.

هذا الوضع تسبب بتصاعد اعتماد القطاع العام على الائتمان، ما أدى إلى أن يصل الدين الحكومي إلى مستويات قياسية ليبلغ نحو(4.6)  مليار دولار في الربع الثاني من عام 2025، ما قاد إلى تسارع لافت في وتيرة الائتمان الممنوح للحكومة من قبل الجهاز المصرفي خلال الربع الثاني من عام 2025، إذ ارتفع بنسبة 15.6% مقارنة بالربع السابق، وبنسبة 23.4% مقارنة بالربع المناظر، ليصل إلى نحو(3.1)  مليار دولار، بما يعادل قرابة 24.5% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وهو أعلى مستوى يُسجَّل حتى الآن.

 ويعكس هذا الارتفاع تعمّق الاعتماد على الاقتراض المحلي كأداة رئيسية لتمويل عجز الموازنة العامة، في ظل بنية مالية مأزومة تتسم بتراجع الإيرادات العامة، وعدم انتظامها، مقابل تصاعد الالتزامات الجارية والمتراكمة. وفي هذا السياق، لا يمكن فصل تنامي الائتمان الحكومي عن القيود البنيوية التي تحكم المالية العامة الفلسطينية، وفي مقدمتها محدودية أدوات السياسة المالية واستمرار اختلال العلاقة المالية مع الاحتلال.

ورغم ما ينطوي عليه ارتفاع الدين الحكومي من مخاطر مثل التعرض للقطاع المصرفي إذ بلغ الائتمان الحكومي نسبة إلى حقوق ملكية القطاع المصرفي 127.8%، إلا أن الجهاز المصرفي يواصل أداء دور محوري في احتواء الضغوط المالية الراهنة، بما يجعله شريكاً فعلياً في إدارة الأزمة المالية أكثر من كونه ممولاً تقليدياً للدين العام.

الخاتمة

رغم قتامة المشهدين المالي والاقتصادي اللذين خيّما على فلسطين بين عامي 2023 و2025، استطاع القطاع المصرفي الفلسطيني أن يبرهن على قدرٍ استثنائي من الصمود والاتزان في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات التي مرّ بها الاقتصاد الوطني منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية.

فبرغم الحصار المالي، وانقطاع قنوات التحويل الخارجي، وتكدّس الشيقل، واشتداد العدوان على غزة، لم تهتزّ ركائز النظام المصرفي، ولم تُسجّل أي حالة إفلاس أو فقدان للثقة، بل حافظت البنوك على التزاماتها تجاه المودعين والمقترضين، في وقتٍ عجزت فيه حكوماتٌ مستقلة ذات سيادة عن حماية أنظمتها المالية من الانهيار.

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية في إدارة الأزمات النقدية أن الحوكمة الرشيدة والانضباط الرقابي يمكن أن يشكّلا بديلاً مؤقتاً عن غياب أدوات السيادة النقدية. حافظ القطاع المصرفي خلال الأزمة على مستويات السيولة، وأدارت المخاطر الائتمانية بحذرٍ عالٍ، ووفّرت هوامش أمان للنظام المصرفي سمحت له بالاستمرار في تقديم خدماته للمواطنين والقطاعين العام والخاص رغم الظروف الاستثنائية.

لكن هذه المتانة البنيوية تبقى مهددة ما دامت جذور الأزمة قائمة: التبعية النقدية للاحتلال، واستمرار القيود المفروضة على المقاصة، وغياب أفقٍ اقتصاديٍّ مستقرٍّ يعيد بناء الثقة بالاقتصاد الوطني. وعليه، فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء نظام مالي مقاوم للتبعية، عبر:

توسيع قاعدة التعامل بالعملات البديلة وتعزيز التسويات الداخلية بالشيقل والدولار والدينار، بما يقلل الحاجة إلى المرور عبر البنوك الإسرائيلية.
تعميق الشراكات المصرفية الإقليمية والعربية لتأسيس شبكة مراسلة مالية خارج القنوات الإسرائيلية، تمنح النظام المصرفي الفلسطيني هامش استقلالٍ أوسع في إدارة موارده.

 

*باحثة اقتصادية

المراجع:

سلطة النقد الفلسطينية. (2025، 14 كانون الأول). بيان صحفي: أزمة تكدّس الشيقل الإسرائيلي في البنوك الفلسطينية تصل إلى نقطة حرجة. رام الله: سلطة النقد الفلسطينية.
جمعية البنوك في فلسطين، 2025. 2024. الأداء المقارن للبنوك. فلسطين- رام الله.
العربي الجديد. (2025, 10 أكتوبر). غزة تنتظر البنوك: إسرائيل دمّرت البنية النقدية مع تجفيف السيولة.