الرئيسية » الصيرفة الإسلامية »
 

تطبيقات التورق المنضبط بالمعيار الشرعي في المصارف الإسلامية الفلسطينية

د. سهيل الأحمد*

ما المقصود بالتورق في المفهوم الشرعي؟

التورق: طلب الورِق، وهي الفضة والدراهم المضروبة"، وأصله طلبُ النقود من الفضة، ثم تحوَّل المفهوم إلى طلب النَّقد، سواءٌ أكان فضةً، أم ذهبًا، أم عملةً ورقية، حيث بقِي أصل اللفظ، وتوسع مدلوله تبعًا للتوسع في مفهوم النقد، ويقصد بذلك: السيولة النقدية التي يحصل عليها الأفراد أو البنوك من خلال التورق، ولم يذكُر الفقهاء تعريفًا للتورق، وإن كان هذا المصطلحُ قد شاع عند الحنابلةِ دونَ غيرهم من أهل العلم، ومرادُهم به: "أن يشتريَ المرء السلعة نسيئةً، ثم يبيعَها نقدًا لغير البائع بأقلَّ مما اشتراها به؛ ليحصل بذلك على النقد([1])". وبيع التورق هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل، ثم يبيع المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد الورق ([2]).

هل يختلف التورق عن العينة؟ والتورق في المعيار رقم (30) من المعايير الشرعية([3]) الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (الأيوفي)([4]): هو شراء سلعة بثمن آجل مساومة أو مرابحة ثم بيعها إلى غير من اشتريت منه للحصول على النقد بثمن حال. وهي تختلف عن العينة كما في المعيار من حيث أن العينة يتم فيها شراء سلعة بثمن آجل ومن ثم بيعها إلى من اشتريت منه بثمن حال أقل. كما أنه مخرج لتجنب الربا وليس حيلة إليه؛ لأنه يصير إليه من لا يجد مقرضًا، ولا يريد الوقوع في الاقتراض بفائدة([5]).

وقد استند المعيار الشرعي لاختلاف حكم التورق عن العينة أن العينة حيلة على الربا لوقوعها بين طرفين هما في الواقع مقترض ومقرض من خلال بيع السلعة بالآجل ثم استردادها بثمن حال وحصول المشتري على مال أقل مما يلتزم به للبائع، وجمهور الفقهاء على منع العينة، وعلى إباحة التورق إلا ابن تيمية وابن القيم حيث قالا في التورق بالمنع أو الكراهية([6]).

وقياس التورق على العِينة قياس مع الفارق؛ وذلك لانتفاء علة تحريم العينة وهي كونها ذريعةً إلى القرض الربوي فيه؛ حيث في العينة عندما يسترجع البائع سلعته تكون كأنها لم تخرج من يده قطُّ، ويكون وجودها في البيع كعدمها، ويكون توسطها عبئًا، ويؤول الأمر إلى دفع مبلغ من المال لآخر في أكثر منه من نوعه إلى أجل، وهو ربا النسيئة، أما في التورق، فإنه لا يحصل للبائع شيء؛ لأن السلعة لا تعود إليه أصلاً؛ بل تنتقل بعقد مستقلٍّ إلى مشترٍ جديد، لا علاقة لشرائه بالبيع الأول([7]). وجاء في إعلام الموقعين عن رب العالمين بشأن التفريق بينهما: "إن أعاد السلعة إلى بائعها، فهي العينة، وإن باعها لغيره، فهي التورق" ([8]).

ويمكن أن يكون المتورق هو العميل؛ وذلك بشرائه السلعة محل التورق من المؤسسة ثم بيعها لغيرها لتحصيل السيولة، ويمكن أن يكون المتورق هو المؤسسة؛ وذلك بشرائها السلعة محل التورق وبيعها لطرف ثالث لتحصيل السيولة، من العميل أو من مؤسسة أخر وفق الضوابط الخاصة بالتورق([9]).

الحكم الشرعي للتورق: صدرت فتوى (رقم 19297) عن اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية([10])، بجواز التورق وفيها: "مسألة التورق: هي أن تشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم تبيعها بثمن حال على غير من اشتريتها منه بالثمن المؤجل؛ من أجل أن تنتفع بثمنها، وهذا العمل لا بأس به عند جمهور الفقهاء ".

وقد أجاز المجمع الفقهي الإسلامي التورق([11]) عندما قرر: "أن بيع التورق هذا جائزٌ شرعًا، وبه قال جمهور العلماء؛ لأن الأصل في البيوع الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾، ولم يظهر في هذا البيع ربا، لا قصدًا ولا صورة؛ ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لقضاء دين، أو الزواج، أو غيرهما، ولم يشترط المجمع في قراره([12]) سوى مغايرته للعينة، ثم جاء قرار الدورة السابعة عشرة المشتمل على شروط أخرى روعيت في هذا المعيار وأهمها عدم التزام البنك " البائع" بالتوكل عن العميل في بيع السلعة الذي يجعلها شبيهة بالعينة حسب نص القرار، وعدم الإخلال بالقبض ولم يشترط القرار القبض الحقيقي، بل اكتفى في قرار دورته الحادية عشرة بالقبض الحكمي في الصرف وهو أشد من البيع([13]).

 الهيئة العليا للرقابة الشرعية والحالات التي يجوز للمصارف الإسلامية الفلسطينية التعامل فيها بمنتج التورق: أصدرت الهيئة العليا للرقابة الشرعية([14]) في سلطة النقد الضوابط الشرعية المتعلقة بتعامل المصارف الإسلامية بمنتج لتورق بما يتفق وأحكام وضوابط المعيار الشرعي رقم (30) الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية([15])، وشملت الضوابط الحالات التي يجوز للمصارف الإسلامية التعامل بمنتج التورق، إضافة إلى الإجراءات المطلوب الالتزام بها من المصارف قبل البدء بتقديم المنتج، ويأتي إصدار هذه الضوابط ضمن استراتيجية سلطة النقد الفلسطينية بتنويع الخدمات والمنتجات لدى القطاع المصرفي الفلسطيني وخاصة المصارف التي تلتزم بأحكام الشرعية الإسلامية وتوفير البدائل عن الخدمات والمنتجات التقليدية بما يلبي حاجة المتعاملين مع المصارف الإسلامية([16])، ولقد تمثل ذلك بعدة تطبيقات أحصيت بسبعة لا مناص فيها من التورق المنضبط بالمعيار الشرعي([17])، وهي كما يأتي:

  1. سداد ديون العملاء المقبلين على البنوك الإسلامية مع تحملهم سابقًا لديون ربوية حيث تجري لهم عملية تورق لتحصيل نقد يطفؤون به تلك الديون تحت رقابة البنك.
  2. بطاقات الائتمان المتجدد (بمهلة سداد أكثر من الشهر المعتاد) حيث يحرر لحامل البطاقة تورق وتودع حصيلته في حسابه للحسم منه عند استخدام البطاقة (المعيار الشرعي للبطاقات).
  3. التزامات المقاولين لمصروفات العمالة والخدمات الطارئة ودفع رواتب الموظفين.
  4. تمويل تذاكر السفر إذا تعذر تمويلها بالإجارة (إجارة الخدمات)
  5. تمويل شراء العملاء للذهب ـــ مع عدم السيولة ــــ لاشتراط التقابض، ولا تجوز المرابحة في ذلك، لأنها في تطبيقات البنوك مؤجلة.
  6. سداد ديون ترتبت على التجار والشركات في حال عجز السيولة وعدم إمكان تطبيق أدوات السيولة الأخرى، مثل السلم وشراء أصل ثم تأجيره.
  7. مصروفات الحفلات (الزواج، التخرج، يوم الميلاد) إذا لم يمكن تطبيق إجارة الخدمات وبخاصة لدفع المهر نقدًا.

* عضو الهيئة العليا للرقابة الشرعية- سلطة النقد الفلسطينية

 


[1] -  البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع،  مطبعة الحكومة، مكة المكرمة، سنة 1349ه، (3/ 175)

[2] -  انظر: القرار الخامس، الدورة 15 الخامسة عشرة المنعقدة بشأن التورق في مكة المكرمة بتاريخ 11 رجب 1419ه الموافق 31/10/1998م)، مجمع الفقه الإسلامي، رابطة العالم الإسلامي.

[3] -  تعد هذه المعايير في الحقيقة والواقع، أهم الضوابط الشرعية لعمل المصارف الإسلامية في وقتنا الحاضر، ويُعدُّ الالتزام بالمعايير الشرعية الصادرة من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية من عناصر التزام أي بنك إسلامي بالضوابط الشرعية في أعماله، حيث إن هذه المعايير معتمدة في 90% من المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية على مستوى العالم، ويقوم بإعداد هذه المعايير المجلس الشرعي في الهيئة والمؤلف من 16 عالماً وباحثاً، بعضهم يمثل المصارف وبعضهم لديه خبرته ومكانته في الصناعة المالية الإسلامية، وهم من خيرة المشايخ المتخصصين في أمور الاقتصاد المالي الإسلامي. انظر: عفانة، حسام الدين، كتاب فتاوى د. حسام عفانة، المعاملات، (200)، المكتبة الشاملة الحديثة، https://al-maktaba.org/book .

[4] -  أيوفي هي إحدى أبرز المنظمات الدولية غير الربحية الداعمة للمؤسسات المالية الإسلامية، تأسست عام 1991م ومقرها الرئيس مملكة البحرين، ولها منجزات مهنية بالغة الأثر على رأسها إصدار 100 معياراً حتى الآن في مجالات المحاسبة والمراجعة وأخلاقيات العمل والحوكمة بالإضافة إلى المعايير الشرعية التي اعتمدتها البنوك المركزية والسلطات المالية في مجموعة من الدول باعتبارها إلزامية أو إرشادية، كما تحظى الهيئة بدعم عدد من المؤسسات الأعضاء، من بينها المصارف المركزية والسلطات الرقابية والمؤسسات المالية وشركات المحاسبة والتدقيق والمكاتب القانونية من أكثر من 45 دولة، وتطبِّق معايير الهيئة حالياً المؤسسات المالية الإسلامية الرائدة في مختلف أنحاء العالم، والتي وفرت درجة متقدمة من التجانس للممارسات المالية الإسلامية على مستوى العالم، انظر: موقع الأيوفي، https://aaoifi.com/about-aaoifi

[5] -  المعايير الشرعية، ص774.

[6] -  المعايير الشرعية، ص775.

[7]الجندي، التورق وتطبيقاته المصرفية المعاصرة في الفقه الإسلامي،  www.alukah.net

[8] -  ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، مطبعة السعادة، مصر، سنة 1374ه، 3/ 128.

[9] -  المعيار رقم (30) من المعايير الشرعية، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)

[10] -  انظر: (فتوى رقم 19297)، فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية.

[11] -  المجمع الفقهي الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي في ( قراره رقم 5 من الدورة 15 الخامسة عشرة المنعقدة بشأن التورق في مكة المكرمة بتاريخ 11 رجب 1419ه الموافق 31/10/1998م).

[12] -  المجمع الفقهي الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي في ( قراره رقم 5 من الدورة 15 الخامسة عشرة المنعقدة بشأن التورق في مكة المكرمة بتاريخ 11 رجب 1419ه الموافق 31/10/1998م).

[13] -  المعايير الشرعية، ص774.

[14] -  تم إنشاء الهيئة العليا للرقابة الشرعية استناداً لأحكام المادة (23) من قانون المصارف رقم (9) لسنة وقرارات مجلس إدارة سلطة النقد بهدف إصدار الأحكام الشرعية وتوحيدها للخدمات والمنتجات التي تقدمها المصارف الإسلامية وإصدار الفتاوى المتعلقة بالمالية الإسلامية وبما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية والمعايير الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI) وبما يخدم تطوير منظومة الصيرفة الإسلامية في فلسطين، انظر: شمس نيوز،  رام الله، برابط: https://shms.ps/post

[15] -  تعد المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية والإسلامية من أهم مرجعيات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية، وإن الالتزام بها يعبر عن مدى التزام المصارف الإسلامية بالأحكام الشرعية، كما أن الالتزام بها يضبط معاملات المصارف الإسلامية، ويقلل إلى حدٍّ كبير الاختلاف في الفتاوى بين هيئات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية. كما أن الالتزام بهذه المعايير الشرعية يوفر حماية للمصارف الإسلامية من تلاعب المتلاعبين الذين يتسترون تحت مسميات التمويل الإسلامي المختلفة، انظر: عفانة، حسام الدين، كتاب فتاوى د. حسام عفانة، المعاملات، (200)، المكتبة الشاملة الحديثة، https://al-maktaba.org/book .

[16] -  انظر: شمس نيوز، رام الله، بعنوان: الهيئة العليا بسلطة النقد تصدر ضوابط تعامل المصارف الإسلامية بمنتج التورق، برابط: https://shms.ps/post

[17] -  انظر: سلطة النقد الفلسطينية، الهيئة العليا للرقابة الشرعية، الفتاوى، برابط: https://www.pma.ps/ar، يأتي إصدار هذه الضوابط ضمن استراتيجية سلطة النقد الفلسطينية بتنويع الخدمات والمنتجات لدى القطاع المصرفي الفلسطيني وخاصة المصارف التي تلتزم بأحكام الشرعية الإسلامية وتوفير البدائل عن الخدمات والمنتجات التقليدية بما يلبي حاجة المتعاملين مع المصارف الإسلامية، انظر: شمس نيوز،  رام الله، برابط: https://shms.ps/post